cooltext465303044.png

Taher-Almasry.jpg

قمحاوي: موظف بالمتابعة والتفتيش يهدد بإحضار طاهر المصري لدائرة سحب الجنسيات

تحت عنوان "الرقص فوق اللهيب: الأردن في الميزان" نشرت "القدس العربي" المقال التالي للدكتور لبيب القمحاوي

: لم يسبق أن تحول الهمس السياسي في الأردن إلى جلبة وصخب وغضب مسموع ومقروء ومرئي، كما هي عليه الحال الآن. فانتقاد السلطة أصبح يومياً وعلنياً وقاسياً وشاملاً لمن وراء السلطة وفي ثناياها، بل ولكل ما يحيط بها. وفقد العديد من المناصب الرسمية الاحترام العام لصالح النقد العام، وفي أحيان كثيرة الاحتقار العام. وما كان من المحظورات أصبح ممارسة عامة يومية مما يؤكد انهيار الاحترام العام لتلك المناصب وما تمثله، بل وتجاوزت الممارسات حد الانتقاد العام إلى توجيه أصابع الإتهام إما تلميحاً أو تصريحاً.ما الذي حصل؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى؟ وما الذي أيقظ الشيطان من سباته ليرقص رقصات النار ويعانق اللهيب؟إذا كان الموضوع سردياً فالقائمة طويلة، وإذا كان الموضوع شمولياً فالنتائج تتكلم عن نفسها. دولة فتية تبرعت بتمزيق نفسها حتى الثمالة، بدون وازع وبدون رادع. هل ما حصل هو جهل وتقصير، أم محاولة للإنتحار، أم تقرب من الشيطان من أجل فتات لا يسمن ولا يغني عن جوع، هذا إذا لم يكن الفتات معجونا بالسم القاتل.دعونا نقترب من هذا الواقع المؤلم بهدوء وروية وصبر، بعيداً عن الانفعال حتى نفهم إذا كنا نعلم حقيقة ما هم فاعلون أو نستوعب الدروس إذا كنا حقيقة لا نعلم.لقد قامت الدولة الأردنية طواعية بإضعاف جميع مؤسساتها الدستورية لصالح مؤسسة واحدة هي مؤسسة العرش، وهو أمر لا داعي له، لأن دستور الدولة الأردنية لعام 1952 يضع مؤسسة العرش فوق كل المؤسسات ويفصل آلية العلاقة بين كل مؤسسة ومؤسسة العرش بصورة واضحة. إذاً لمصلحة من تم إضعاف تلك المؤسسات ومن هو المستفيد الأكبر؟إن إضعاف مؤسسات الدولة الأردنية وعلى رأسها الحكومة ومجلس النواب والقضاء، إضافة إلى العديد من مؤسسات الدولة الأخرى، وانسحاب الدولة من معظم واجباتها الاجتماعية والتنموية أو تقليصها إلى الحد الأدنى يعني في الحقيقة إضعاف الدولة الأردنية نفسها، وبالتالي إضعاف دورها الوطني والإقليمي.وكان لا بد أن يتبع ذلك، بالضرورة، إضعاف المؤسسة الوحيدة التي بقيت متماسكة ألا وهي الوحدة الوطنية، وذلك من منطلق فرّق تسد، حيث لا يمكن لدولة ضعيفة وشبه مفككة أن تسيطر على شعبها ما دام متماسكاً. وهكذا، أصبح من الضروري طعن الوحدة الوطنية وتفكيكها باعتبارها القاعدة الصلبة للحفاظ على تماسك الدولة ومنعها من السقوط في ظل غياب أي دور فاعل ومؤثر لمؤسسات الدولة الدستورية. وأخذت قوى الظلام تلعب في مقدرات الدولة واستغلت تلك المؤسسات المُنتهكة والمغيبة لتجعل منها إحدى أدوات فك الوحدة الوطنية وتدميرها. وبلغت تلك المؤسسات الدستورية من الضعف والمهانة حداً أصبح فيه موظف من الدرجة السادسة أو السابعة في مكتب يدعى 'مكتب المتابعة والتفتيش' قادراً على أن يمارس سلطة الحكومة، إن لم يكن الدستور والعرش، في سحب جنسية المواطن الأردني وذلك بجرة قلم. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل رافقه تطاول واضح على كبار مسؤولي الدولة من أصل فلسطيني، حيث أجاب أحد موظفي مكتب المتابعة والتفتيش أحد المواطنين الذي احتج على سحب الرقم الوطني منه (أي الجنسية الأردنية) بقوله: 'حتى طاهر المصري (رئيس مجلس الأعيان الأردني) سنحضره إلى هنا' أي إلى مكتب المتابعة والتفتيش.ما هو هذا المكتب الذي أصبح موظفوه يتصرفون بإرادة مطلقة تعز من تشاء، وتذل من تشاء؟ وما هي صلاحياته والسلطات المناطة به؟لا يستند مكتب المتابعة والتفتيش في وجوده وفي تعامله مع المواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني إلى أي قانون على الإطلاق، بل إلى تعليمات تدعى "تعليمات فك الارتباط"، التي أصبحت كماً مجهولاً لا يعلم أحد كنهه. هي تعليمات مجهولة في وضعها الحالي، حتى لمن كتبها في الأصل. فهذه التعليمات التي ساهم في صياغتها وزير الداخلية الأردني في عام 1988 (السيد رجائي الدجاني) لا تنص على التنكيل بأحد، ولا تعطي أحدا حق سحب الرقم الوطني على أساس عرقي، كما لا تمس بحقوق أي أردني من أصل فلسطيني كان موجوداً في الأردن حتى عام 1988. وقد أوضح السيد الدجاني هذا الكلام في اجتماع برئاسة الملك عبدالله الثاني، وإن لم يحظ هذا التوضيح في حينه على رضا مدير المخابرات الأردنية في ذلك الوقت (السيد محمد الذهبي) الذي أجاب الملك عندما سأله عن رأيه فيما أوضحه الدجاني بقوله: 'ماذا سوف يحصل للبلد (أي الأردن) إذا سمحنا لكل العراقيين والفلسطينيين بالحصول على الجنسية الأردنية'..؟ جواب غريب من مدير مخابرات عامة! ما علاقة هذا بذاك. الحديث كان عن مواطنين اردنيين من أصل فلسطيني، وليسوا بشرا من هنا وهناك موجودين على أرض الأردن. وقد طلب الملك عبدالله الثاني في ذلك الاإتماع تشكيل لجنة من كل من طاهر المصري ومحمد الذهبي ورجائي الدجاني لبحث هذه المشكلة والتعامل معها، ولكن الذهبي تهرب من كل اتصال جرى معه لعقد اجتماع لهذه اللجنة التي لم تجتمع أبداً.عجباً والله أن تكون إرادة مدير مخابرات هي الأعلى، ولكن هذا ما حصل..!واستمرت ممارسات مكتب المتابعة والتفتيش، بل وتفاقمت إلى حد العلنية والوقاحة. وأصبح تحويل أي مواطن أردني تسري في عروقه دماء فلسطينية، حتى لو كانت تلك الدماء من الأجداد، أصبح تحويلهم إلى مكتب المتابعة والتنكيل بالفلسطينيين أمراً روتينياً. فالأمر لا يتعلق الآن 'بتصويب الأوضاع' وهو اصطلاح غامض على الكثيرين، بقدر ما أصبح وسيلة للفرز، ومن ثم سحب الجنسية.. أو بحديث آخر، وطبقاً للتعاريف الدولية أصبحت (عملية تطهير عرقي). وللأسف لم يخرج علينا حتى الآن أي وزير داخلية أو رئيس حكومة لإيضاح طبيعة ما يجري من اجراءات وإبداء حسن النوايا، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، ناهيك عن إلغاء تلك الإجراءات جملة وتفصيلاً.إن ممارسات مكتب المتابعة والتفتيش ضد المواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني هو عيب وفيه استهتار بكل القواعد الدستورية والإنسانية، ولا تقبل به أبسط شرائع حقوق الإنسان. وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، يجب اللجوء إلى مختلف المحافل العربية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان للدفاع عن مواطنين عزل من أي قوة قانونية للدفاع عن أنفسهم في دولتهم، التي أفتت محكمة العدل العليا فيها بأن سحب الجنسية من مواطنيها هو ممارسة لحق سيادي، في الوقت الذي يمنع فيه الدستور الأردني الحكومة بموجب المادة 9/1 من إبعاد أي مواطن أردني من ديار المملكة، باعتبار ذلك حقاً مطلقاً للمواطن، فما بالك بإسقاط الجنسية عنه بقرار إداري من قبل موظف عادي في دائرة مبهمة بموجب تعليمات لا تستند إلى أي أسس قانونية أو دستورية..؟المطلوب ببساطة هو الغاء تعليمات فك الارتباط، وايقاف العمل بها تماما، كونها استنفدت اغراضها، مما يستدعي بالتالي إلغاء مكتب المتابعة والتفتيش بشكل كامل ونهائي، واعتبار القرارات التي صدرت عنه بسحب الجنسية أو تقليصها باطلة، ورد الحقوق لأصحابها. والإلغاء، بحد ذاته وعلى أهميته، لا يكفي إذا لم يرافقه إلغاء المهام المناطة بذلك المكتب المشؤوم، والمتعلقة بسحب الرقم الوطني (الجنسية)، واعتبار مثل هذا الإجراء غير قانوني، وممنوعاً على الإطلاق لكل مواطن كان موجوداً في الأردن أو على رأس عمله في المهجر، ومتمتعاً بالجنسية الأردنية عشية قرار فك الارتباط عام 1988.إن التعنت والإصرار من قبل البعض على الاستمرار في برنامج التطهير العرقي ضد الأردنيين من أصل فلسطيني سوف يفاقم من حالة القلق وعدم الشعور بالأمن والآمان والاستقرار النفسي. وهذا قد يدفع العديد إلى الاستثمار الفردي خارج الأردن، خوفاً وتحسباً من الجور والظلم، وغياب سلطة القانون، مما سيساهم بالنتيجة في تفاقم الأزمة الاقتصادية والعجز في الموازنة في الأردن الفقير بموارده كما يحكى.إن التلكؤ في إلغاء مكتب المتابعة والتفتيش والمهام المناطة به قد يدفع البعض إلى العمل على توثيق ما جرى ويجري في كتاب أسود، سوف يتم العمل على نشره واستعماله أساساً للتقدم بشكاوى إلى المحاكم الدولية المختصة، إذا ما استمر القضاء الأردني المحلي على اصراره بأن تدمير مستقبل المواطن الأردني من أصل فلسطيني من خلال سحب جنسيته هو عمل من أعمال السيادة، على الرغم مما ورد في الدستور الأردني نصاً وروحاً.

* استاذ جامعي وكاتب وناشط سياسي في الأردن

lkamhawi@ceco.com.jo

9/2/2010

Lorca-poet.jpg

قضية مصرع الشاعر الإسباني 'لوركا' عشر نقط في سبيل تبيان 'الحقيقة'

محمد بلال أشمل

2010-09-13

ربما هي المرة الحادية عشرة بعد المئة التي أقرأ فيها أشياء عن الشاعر الإسباني 'فدريكو غارسيا لوركا'، ولا أستسيغها. يحدث ذلك إما بأخطاء يقترفها هذا الكاتب أو ذاك، حول حياة 'شاعر في نيويورك'، أو بإعادة تكرار 'كليشيهات' ما عادت تقنع الباحث الحصيف في أدب 'لوركا'، وسياقاته الاجتماعية والسياسية؛ ومنها صلة 'استشهاده' الغامضة بتاريخ الحرب الأهلية الإسبانية برمتها، أو بتقديم شطحات لا يستدعيها المقام حول شعره ونثره وحياته، أو ادعاء الفضل في تأسيس جمعية لصداقته في غيبة عن الوثائق والتاريخ، أو بالإقدام على مغامرة ترجمة نصوصه الشعرية ترجمة تحريفية...الخ.لقد وجدت الناس مثلا يكتبون عن قضية اغتيال مؤلف 'أعراس الدم' بكثير من اليسر، وبمقدار عظيم من اليقين؛ مع أنها قضية ما تزال محفوفة بكثير من الأسرار، ومحاطة بكثير من الطلاسم لدى أهلها الأقربين، فما بالك بالأبعدين!. ومع ذلك وجدت بعض الناس يجرؤون على 'الفتوى' فيها بما تهيأ لهم من قليل العلم، وإصدار 'أحكام جاهزة' حولها بما توفر لهم من ضعف النظر.لقد صارت قضية اغتيال 'لوركا' عام 1936، بالكيفية التي يعتقد فيها بعض الكتاب عندنا، من قبيل المقدمات المشهورة التي يقبلها كل الناس، ولكنها لا تستند على أي يقين، ولا تنبني على أي دليل سوى تخمينات مستقاة من هنا وهناك؛ كقول قائلهم إن 'لوركا' قضى بأيدي 'الفاشية الديكتاتورية'، وأن 'الديكتاتور فرانكو أمر بقتله'، وأن 'الجنرال إيميليو مولا' هو من أعطى الإشارة في 'تعليماته المشهورة' بتصفيته مع نظرائه من 'الجمهوريين'، و'الماسونيين'، و'الاشتراكيين'، و'الشيوعيين' من ملة 'الروخوس'...بل إن أحدهم اجتهد وارتقى بـ 'رويث ألونسو'من محض 'واش' إلى 'منفذ' لعملية الاغتيال. أما عائلة 'روساليص' فهي دائما في 'عين المدفع'، ويمكن أن تجد من الناس من يتطوع، فيتهم شاعرها 'لويس' بضلوعه في عملية الاغتيال، أو يلومه على تخاذله في نجدة صديقه حتى يأخذ منه 'إمارة الشعر' في إسبانيا. قد نقبل ببعض الآراء التي 'تجتهد' في السينما أو في الأدب حول اغتيال الشاعر الغرناطي؛ فتقدم لنا وجهات نظر 'غير مقبولة'، وعلى حالها ذاك، تظل آراء طريفة، فائدتها أنها تشحذ الذهن، وتغني الخيال، كمثل نجاته من واقعة الاغتيال، واختفائه، وفقدانه الذاكرة، أو تعرضه للجنون...ولكن بعض 'الفتاوى' التي يتقدم بها بعض الكتاب عن هذه القضية على سبيل 'العلم' و'المعرفة'، تجعلنا مشدوهين أمام مبلغ هذا الادعاء، ومنتهى هذه الجرأة في إصدار أحكام هي في حكم الغيب السياسي، وصمت الأرشيف العسكري.ولعل اللازمة التي أطلقها أهل 'إسبانيا الوطنية' في حينها، وكررها من بعدهم طائفة من الكتاب العرب والأجانب، أن 'لوركا لم يكن مسيسا'. يقولون ذلك ويعيدونه حتى يجعلوا دمه في رقبة شرذمة من 'المثليين' كانت لديه معهم صراعات حول 'متع دنيوية'؛ لكي يبرروا، من ثم، مسؤولية اغتياله من لدن 'عناصر غير منضبطة'، استغلت فوضى الأيام الأولى من التمرد العسكري على الشرعية الجمهورية، فانتقمت ممن كان ينازعها صداقات حميمية كانت في وقت من الأوقات محرمة، مثل صداقته مع 'دالي'، أو مع 'فيرناندو دي لوس ريوس'، حتى لا أقول مع 'خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا'، كما كان يعيب عليه أحدهم، انتقاصا من قدره، ومن قدر مؤسس 'الفلانخي'.لقد قضى باحث إنكليزي مرموق يعنى بالشؤون الإسبانية اسمه 'إيـان جيبسون' (1939) حياته في دحض هذه الأطروحة. والرجل ليس بالنكرة في مجال اشتغاله، حتى لا نحمل شهادته على محمل الصدق، بل هو 'سلطة' فيما يتصل بكل هذا الزخم المتصل بمصرع لوركا، ومختلف المعاني التي تلبسها اغتياله الدرامي. ففي كتابه 'جريمة قتل غارسيا لوركا' الصادر عام 1979 ـ بين يدي الطبعة الصادرة عام 1985- يخصص المؤلف فصله الأول لأطروحة 'عدم تسيس لوركا' ( ص 13-41)، فيبرهن على تهافتها، ويدلل على ضعف سندها، منتهيا إلى أن الموقف السياسي لهذا الشاعر كان قريبا من الاشتراكية الليبرالية، وإن لم يكن صريح الانتماء إلى أي حزب سياسي محدد، وأن وضعه كابن لعائلة مرفهة تعي الامتيازات العظيمة التي هيأتها لها وضعيتها المريحة ماديا، يجعله متضامنا مع ضحايا الظلم الاجتماعي منذ أعماله الأدبية الأولى، ومن ثم يجعله رجلا لليسار، ومتعاطفا مع الجبهة الشعبية، وعدوا لدودا للفاشية ( ص 40 ـ 41).كما يحشد المؤلف ثماني عشرة وثيقة في ملحقات الكتاب، تنهض جميعها دليلا على تهافت ذلك الادعاء وانهياره. ولكي أوضح المسألة قليلا، أحب أن أقف عند عشر منها، أقدر أنها كافية لبيان المقصود من تهافت زعم 'عدم تسيس لوركا' كما يعتقد فيه الكثير من الناس عندنا في سياق هذا التنادي المطرد بـ 'الذاكرة التاريخية'، الذي يحركه باطل السياسة، أكثر مما يحركه حق التاريخ. الوثيقة الأولى عبارة عن 'رسالة' موجهة إلى الفيلسوف الإسباني 'خوسي أورتيغا إي غاسيت' موقعة في نيسان ( أبريل) عام 1929 من لدن ثلة من الكتاب، وفيهم الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'؛ يصرحون في ديباجتها عن نيتهم في 'تأسيس جماعة ذات طبيعة سياسية، وإيديولوجيا رحبة داخل أفق للحرية، وبطريقة متفردة ذات نغمة ودلالة ثقافيتين' من أجل الخروج من حالة 'اللاتسيس'، و'الانعزال'، و'اللامبالاة' تجاه 'القضايا الجوهرية' للشعب الإسباني، والحاجة إلى تحديد 'موقفهم السياسي' منها اعتقادا منهم أن 'السياسة مقصد جوهري للفكر، ومنزلة مهمة في مجال الثقافة' ( ص327). ولذلك يستشيرون صاحب 'تمرد الجماهير'، ويستنصحونه، ويستنصرونه، باعتباره وجها متميزا من الوجوه 'الجديدة' في إسبانيا، وصاحب فضائل عظيمة يسلكونها في عداد الندرة والفرادة ( ص328). الوثيقة الثانية 'بيان جمعية أصدقاء الاتحاد السوفييتي' الذي وقعته عام 1932 طائفة من المثقفين، والكتاب، والمهندسين، والأطباء، والمحامين ذوي الهوى 'السوفييتي'، وفيهم بطبيعة الحال، 'الكاتب' الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'؛ الذي سرق فتيان 'اللجان الوطنية النقابية الهجومية' بطاقة عضويته في الجمعية المذكورة يوم 14 تموز ( يوليو) 1933 (ص18). ولم يكن لدى الموقعين على البيان 'أي برنامج أو شعار سوى الصدع بالحق، أو الإعانة على الصدع بالحق، فيما يتصل بالاتحاد السوفييتي؛ وذلك عبر اصطناع سلاح الحقيقة، لدحر الكذب، والافتراء، والتشويه' ( ص 332).الوثيقة الثالثة 'بيان حول ألمانيا هتلر لصالح رفاقنا'؛ الذي سجل فيه ثلة من الكتاب عام 1933، وفي مقدمتهم 'الكاتب' الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'، احتجاجهم على 'البربرية الفاشية التي تسجن الكتاب الألمان' ( ص 334).الوثيقة الرابعة عبارة عن نص يتضمن نقدا كتائبيا عام 1934 لـ 'جمعية المسرح الجامعي الكلاسيكي المتنقل 'المسماة بـ 'البراكة'؛ يتعرض فيها صاحبها، فيما يتعرض، إلى طلبتها وعمالها - وفيهم 'الكاتب' الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا' الذي لا يذكره باسمه مَنْ 'يتحركون في المياه العكرة والموحلة لماركسية يهودية' ( ص337).الوثيقة الخامسة، مقالة في صحيفة 'أ، ب، ث' الإسبانية ( الطبعة الإشبيلية ليوم 6 حزيران / يونيو 1937) بعنوان 'حالة تيسبيس' ( ص 337 - 338) التي يتعرض فيها صاحبها بأبخس النعوت، في عز الحرب الأهلية الإسبانية، لـ'براكة' اليهودي 'فرناندو دي لوس ريوس' صديق 'الكاتب' الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'.الوثيقة الخامسة 'بيان إلى الرأي العام حول محاكمة مانويل أثانيا' وقعه العديد من المثقفين والمفكرين والكتاب، وفيهم 'الكاتب' الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'؛ للتعبير عن قلقهم وشعورهم بالمرارة تجاه المحاكمة التي طالت أبرز رجال السياسة في إسبانيا الثلاثينيات، من منطلق أن لديهم مع الرجل 'صلات إيديولوجية، وإن لم يكونوا من شيعته السياسية، ولا مرتبطين به بأية مصلحة كيفما كان نوعها'، ( ص 339).الوثيقة السادسة بيان لدعم 'شعب إثيوبيا' نشر في 'يومية مدريد' يوم 9 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1935 بعنوان 'المثقفون والسلام'، احتجاجا على ما لحق بهذا الشعب من عنت وظلم، ووقعه تسعة من المثقفين، من بينهم الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'، دعوا فيه مواطنيهم إلى دعم أثيوبيا وسائر الشعوب، حينما يتم 'تجاهل حقوقها في الحياة والحرية' ( ص 342).الوثيقة السابعة تنظيم 'حفل تكريم شعبي لمارية تيريسا ليون ورفائيل ألبرتي' بمناسبة عودتهما من رحلة طويلة إلى أوروبا وأمريكا، من لدن مجموعة من الأصدقاء والمعجبين بالمحتفى بهما، وفيهم صديقهما 'فدريكو غارسيا لوركا'؛ الذي ارتجل كلمة ترحيب حارة يومئذ و'قرأ بيانا قويا للانتلجنسيا الإسبانية سيرسل بعد ذلك إلى المسؤولين بعد الفراغ من توقيعه' ( ص344). ومن المعلوم أن هذا الحفل تم عقب المهرجان الخطابي للجبهة الشعبية في 'مقهى ناسيونال' في مدريد، حيث أراد له منظموه أن تشع فيه 'المودة' وحدها ( ص343).الوثيقة الثامنة 'بيان الاتحاد العالمي من أجل السلام'؛ الذي أثمرته تحركات 'المجلس الإسباني الدائم للاتحاد الدولي من أجل السلام'، والمكون من مجموعة من المثقفين والسياسيين أمثال 'أنخيل أوسوريو'، و'مانويل أثانيا'، و'تيوفيلو إيرناندو'، و'أنطونيو ماشادو'، و'خوليو ألفاريز ديل الفايو'، ووقعته نخبة من ممثلي الحياة العقلية والسياسية والفنية الإسبانية، ومن بينهم الكاتب الغرناطي 'فدريكو غارسيا لوركا'، دعما لما يبذله الاتحاد من جهد من أجل تفادي حدوث حرب عالمية ثانية ( ص 345).الوثيقة التاسعة 'المهرجان الخطابي لدعم المعادين للفاشية في البرازيل' الذي نظم في 'دار الشعب' خلال آذار ( مارس) 1936، وشارك فيه الشاعر 'فدريكو غارسيا لوركا'، إلى جانب 'الشاعر الثوري رفائيل ألبرتي'، وخطباء آخرين، بقصائد صفق لها الجمهور بحماس، واستزادهما بعضا منها ( ص349).الوثيقة العاشرة 'بيان من أجل إطلاق سراح بريستيس وضد القمع في بويرتو ريكو'في آذار ( مارس) 1936، يعلن فيه الموقعون عن احتجاجهم عما يدبر من تصفية زعيم الثورة البرازيلية 'لويس كارلوس بريستيس'. البيان المذكور وقعه، مباشرة في اللائحة بعد 'لويس أراكيستان'، 'فدريكو غارسيا لوركا'، إلى جانب ممثلي الحياة الأدبية والفكرية والسياسية في اسبانيا. وخلال التوقيع، تم 'التغني بنشيد الأممية وغيرها من الشعارات البروليتارية'، كما نشرت ذلك صحيفة 'الليبرالي' ليوم 29 آذار ( مارس) 1936 ( ص351). إلى جانب هذه الوثائق التي حشدها 'إيان جيبسون' في كتابه، هناك العديد من الأدلة والبراهين المبثوثة في متن الكتاب، وكلها تنهض دليلا على تهافت أطروحة 'عدم تسيس لوركا'، فهل يستقيم بعد هذا القول بـ 'عدم تسيس' الرجل هو الذي سخر من 'الحرس المدني'، 'الذي يزرع الحرائق' في مدينة الغجر، وصوّر القيم المحافظة في مسرحيته 'يرما'، و'بيت برناردا ألبا' و'أعراس الدم'، وانطوت أشعاره، منذ ديوانه 'شاعر في نيويورك'، على العناية بالمشاكل السياسية والاجتماعية، وأظهر اعتراضه على 'إسبانيا الرسمية' التي توالي المحافظة، وتقدس 'إيسابيلا الكاثوليكية'، وتخلص لتراث 'محاكم التفتيش'؟ هل بعد الدراسات القيمة التي أنجزتها الباحثة المعتنية بالشأن الإسباني 'ماري لافرانك' حول الالتزام الاجتماعي للوركا ( ص40) يظل من ريب في أن الرجل لم يكن من الذين يعتقدون في 'الفن من أجل الفن' كما لاحظت صحيفة كوبية، وقد احتفت بزيارته إلى كوبا؟ ( ص15).أكان سيكون معقولا أن يغتال 'لوركا'، وهو من هو في الحياة الأدبية لغرناطة، وعموم إسبانيا، دون 'تهمة' مع 'فوضويين' اثنين، ومعلم صاحب هوى يساري، في وقت كانت فيه شبهة الذهاب إلى 'بيت الشعب'، كافية لتثبيت الحكم بالإدانة، ومن ثم الذهاب إلى 'نزهة' لا يعود منها أبدا؟

achmobi@yahoo.es

Taha-Hussain.jpg

صلاح عيسى لاحقا

عبد المنعم رمضان

2010-09-22

عن وحيد الطويلة، عن سلمى الخضراء الجيوسى، في حوارها بإحدى المجلات، أنها قالت: ظل محمود درويش يطالع تجارب كل الشعراء الآخرين، من أجل أن يغربلها ويفرمها ويعجنها، ليجعل منها قاعدة تمثال، يعتليه ويقف فوقه، ويصبح هو نفسه صاحب التمثال، يصبح هو نفسه الشاعر الجميل المتجاوز، وظل أدونيس يطالع كل التجارب، ويتأملها ويتمثلها، ثم ينكرها وينصرف عنها دون ازدراء، ليصنع تجربته الفردية، فيصبح هو نفسه الشاعر العظيم، ويصبح هو نفسه الشاعر الوحيد المستحق لجائزة نوبل، وفي أواسط الثمانينيات، أصبحنا نسمع صوتا بدأ في السبعينيات كهسيس خفيض، ثم قوى وأصبح جلجلة، تعصف بنا، لنصدق أن نجيب محفوظ مثله مثل سور حديدي مدبب، يمنع قصص الستينيات التي تتجاوزه وتتفوق عليه من الوصول إلى قرائها، وأن نصدق أن روايات نجيب محفوظ تشبه بدلة نجيب وعصاه ومشيته, وتشبه أحياءه القديمة خان الخليلي وزقاق المدق والسكرية وبين القصرين وحزب الوفد وسعد زغلول ومصطفى النحاس والعباسية القديمة والعوالم والفتوات وأم كلثوم ومنيرة المهدية ومحمد عبد الوهاب وحسين حجازي، وتشبه أكثر، ذلك الموظف الغلبان المدعو نجيب محفوظ، في أواخر الثمانينيات، ولما اعترف الغرب عن طريق جائزة نوبل، بأهمية محفوظ تراجعت الجلجلة حتى تلاشت, وتواصى الذين كانوا ينادون بضرورة موته، تواصوا بالإصرار على مديحه، وكأن كل العناصر يمكن أن يعاد طحنها في أجران الحي الغربي، الذي ننسحق أمامه دائما.تذكرت درويش وأدونيس ومحفوظ وأنا أرى صلاح عيسى يرفع يده في وجوهنا ويصيح: تلاميذ طه حسين تجاوزوه، حاولت, ولم أستطع أن أسامحه, وأدركت أن مثله مثل الكاتب العمومي يملأ صحيفة طه حسين، هكذا في خانة يكتب الأكاديمي، في خانة يكتب الناقد، في خانة: الوزير، في خانة: العنوان فيلا رامتان الهرم، في خانة: العميد، وفي آخر خانة يكتب مات وانتهى دوره والكاتب العمومي غالبا لا يسأل أحدا عن معنى النقد، ولا معنى لأكاديمي، فأرشيفه يضم كل المعارف المطلوبة، ويغنيه عن سؤال سواه، هو يعرف أن النقد وحيد الخلية مثل الأميبا، ونحن نعرف النقد طبقات, فهو عند البعض محض علم ونظريات ومناهج وطرق تحليل، من حفظها، أجاد استعمالها، لأنه هكذا يكون العلم مطية ذلولاً للدارسين والمتعلمين والحفظة، جديده يلغي قديمه، والبنيوية والتفكيكية والنقد الثقافي والكولونيالي والنسوى وما بعدها، كل هذه النظريات تحل محل النظريات السابقة عليها، ويكون التجاوز، وأن النقد عند البعض الآخر علم وفن، كسب وفطرة, نظريات وذوق، مناهج وانطباعات، فيه ما يمكن تجاوزه، وفيه مالا تجري عليه أحكام التجاوز، وأن النقد عند البعض الثالث، مثل طريقة أبي نواس في التربية الشعرية، تحفظ ثم تنسى، تحفظ النظريات، ثم تنساها كاملة، والنسيان سيعقبه غالباً الانتباه إلى دقات القلب، وما فيها من استشراف ورؤية وذوق وتأسيس وإنشاء على غرار الإنشاء الأدبي، فالنقد عند هؤلاء الأخيرين، خيانة دائمة للسلوك الأكاديمي، النقد عندهم يخضع لما يخضع له الأدب ذاته، يخضع للتجاور لا للتجاوز، النقطة الساقطة عن حرف كلمة التجاوز الأخير، سوف تتحول إلى قارب ينجيك من الغرق، وبقاء النقطة يبقيك فى الأسر.وطه حسين الأكاديمي، صاحب المنهج، ظل مغلوبا أمام الأديب، صاحب الفطرة، فهو ينقد بهاجس البحث عن أسلوب، لأنه يخلق نصوصه خلقا، ولأنه يعمل كرجل مجذوب، وليس كرجل متعلم، وما المنهج والنظريات إلا حيوانه الذي يركبه، وعندما يصل البيت، يقيده أمام الباب، إنها علمه المكتسب الذي إذا أغفلناه، لأن قوة أدبه أجبرتنا على ذلك، ازداد سرور طه، هذه هى آيته الكبري التي تجاور آيات الجاحظ والتوحيدي والرافعي والمازني وزكي مبارك ومارون عبود وخالدة سعيد وعبد الفتاح كيليطو، والتي تذكرنا بغيابها عن كتابات محمد مندور وشوقي ضيف ومحمد غنيمي هلال وعبد القادر القط وسهير القلماوي إلخ إلخ، لأن نقداتهم لا تبحث عن أسلوب، عن شخصية، عن صوت خاص، كأنهم لا يتركون وراءهم نصوصاً، يتركون تقارير قابلة للمحو والزوال، مثلها مثل طب جالنيوس وابن سينا، تقارير رائدة فعلاً، غير أنها قابلة للعطب السريع، قابلة للنسيان التام.وإذا كانت كتابات طه بأدبياتها محصنة ضد التجاوز، فإن أغلب تلاميذ طه يمارسون النقد كما تمارسه النحلة الشغالة، يمارسونه حسب الكتالوج، دون كتابة، دون نصوص، دون أسلوب، والأدهى دون ذوق، والأدهى أيضا أن كتالوجاتهم لا تعصمهم من الزيغ والهوى، ليس بينهم نحلة ذكر، تموت إذا قطعت السباق، وبلغت روح المحبوب وجسده، وليس بينهم نحلة ملكة لا تخضع للأعراف، ولكنها تستنُّ الأعراف، تلاميذ طه يكتبون تقارير سوف تمحوها وبسرعة تقارير التالين عليهم، مادام الزمان خطيا، والنقد خطياً, والنظريات جديدها يلغى قديمها، إنهم أى التلاميذ، عبيد إحساناتنا، لأنهم لا يملكون ما يجعلهم سادة، إنهم يجهلون أن الأعمال الأدبية لا تبقى ثابتة، مادامت التأويلات تتغير، يجهلون أن عملية القراءة هى نوع من تجسير الفجوة بين الماضى والحاضر، وتاريخية الأدب لا تستند إلى تلك المؤسسة الوحيدة التي عرفها صلاح، مؤسسة الحقائق والتواريخ الأدبية، بل إلى التجارب السابقة التي قام بها قراء الازمنة المختلفة مع العمل الأدبي ذاته، مؤسسة صلاح يصح لها أن تقول أن تلاميذ طه حسين تجاوزوا محمد مندور ويكون قولها صائبا.عموماً المدهش أن طه حسين المظلوم يتجاوز تلاميذه له حسب فقه الشيخ صلاح، تجاوزه أيضا معاصروه، وسابقوه، وسابقو السابقين، فهو بسبب عجز أصابه بالعمى، توقف عن المعاينة والمشاهدة، وفقد لذة الرؤية، إنه فقط يسمع العالم، يشمه، يلمسه، قد يلحسه، ولكنه لا يراه، ولا يرى السينما والمسرح والباليه واللوحات والجبال وطائر الوروار وملابس النساء ونهر الدانوب والغوازى ومؤخرة شاكيرا ومقدمة نجاة والكتب المطبوعة والسماء الزرقاء، إنه وحسب فقه مولانا الشيخ صلاح محكوم عليه بالتجاوز الأدبي، معاصروه تجاوزوه بالنظر، والتلاميذ بالنظريات، وصلاح عيسى سابقا، وصلاح عيسى لاحقا، شاهد على الأمرين، شاهد يكتم الشهادة، لأنه فضل أن يغالط فى الفصل بين الأستاذ وتلاميذه، لا يمكن أن تغفل موقع طه حسين من زمنه، إنه في المقدمة، الأصح أنه المقدمة، ولا أن تغفل موقع تلاميذه من أزمانهم، إنهم على الأقل ليسوا فى الصفوف الأمامية، إلا إذا كانت السلطة هى الصفوف الأمامية.يبدو أن صلاح رغم انتقاله إلى أماكن، منافعها جمة، إلا أنه مع ذلك ظل محكوما بنظرته الفوقية التي تمتع بها مثقفو اليسار الماركسي الستاليني، فهو يتكلم بصفته الذات الفاعلة، بصفته الوجود المطلق، فيما المثقف من أى فصيل مخالف، لا يمثل عنده سوى الآخر.فليكن، الغريب أن تلاميذ طه الذين تجاوزوه، لم يتجاوزوه حتى فى حظوظهم من السلطة، فطه فى أوله عضو في حزب الصفوة، الأحرار الدستوريين، وفي آخره عضو بحزب الأغلبية، الوفد، بعض تلاميذه فعلوا مثله، وانتقلوا من حزب سيدى رفعت السعيد إلى الحزب الذي لا مثيل له، ومع ذلك ظل طه يتقدم تلاميذه بحزبيته الأجدر، ليس لأن الماضى أجمل، ولكن لأن شروط زمن طه كانت أفضل من شروطنا، ولما أصبح طه وزيراً للمعارف، زرع فى نفوس تلاميذه بذرة حلم يابس، أن يصيروا وزراء، إلا أن نفوس التلاميذ تعكرت بمرارة سقوط الأحلام، طه حسين أصبح وزيراً دون أن يعمل وصيفاً لأحد، مازالت ذاكرتنا المثقوبة تحتفظ بصورة السيدة جيهان السادات متبوعة بالوصيفة سهير القلماوي، هناك صور أخرى، تلاميذ طه حسين الذين لم يتجاوزوه فى الأدب، مازالوا فى الحياة، يلتحقون بجنائن السلطة، كل سلطة، ويسرقون الثمار، ويدافعون عن أنفسهم بالوقوف وراء بارافان اسمه بارفان طه، وإذا عوتبوا قالوا: العميد فعلها قبلنا، متجاهلين الفارق بين سلطة ساعية للاستقلال، وسلطة فخورة بالتبعية. ولعل الصحابة، صحابة طه الذين عاصروه، أو تتلمذوا عليه مباشرة، هم الأقل زعماً حول علاقاتهم به، ولعل التابعين وتابعيهم هم الأغزر فى اختراع الحكايات، بعد وفاة طه مباشرة نشر غالى شكرى الحوار الأخير الذي قال فيه طه أقواله كلها، الحقيقة أن غالى أثبت مهاراته في التقليد، وشاع أنه استنسخ طه حسين، وأنطقه، ثم سلم النسخة للريجيسير، ولما رجع أحمد عبد المعطى حجازى من باريس، أواخر الثمانينيات، وبدأ كتابة زاويته الأسبوعية بالأهرام، اختار يوم الأربعاء، ليكون خليفة طه، لكن الخلافة لم تسلم يوما من النزاع والضغينة، لذا نافسه بعض التلاميذ، وزعموا أن الأربعاء حقهم، كلنا نعلم أن تين، أظنه تين، أحد أساتذة طه, كان يكتب أحاديث الإثنين، وأن طه استلهمه ولم يقلده، وكتب حديث الأربعاء، ومثل غالى، ومثل حجازى، بدأ آخرون، أقل مهارة، وأكثر احتياجاً، انتظروا موت الشهود جميعاً، ورووا علينا لقاءهم بالمعلم، وكيف كانوا أذكياء عندما سألهم وأجابوه بشعر يحبه، فتنبأ لهم بالنبوغ والسيادة.في المدرسة العليا أصر معلم المنطق على أن صلاح عيسى الماركسى تجاوز ابن خلدون، مادامت الماركسية تجاوزت الخلدونية، وأصر تلميذه على أنه رأى صلاح يجلس على كرسي الحمام إلى جوار ابن خلدون الجالس، وهنا روايتان، إما على أحد كراسي البار العالية، وإما على جذع نخلة، ارتفاعه ثلاثة أقدام، في الحالتين قدما ابن خلدون حافيتان، ونعله على الأرض، لم أصدق ذلك الشاعر الذي كتب قصيدة عن شخص اختفى بذكر حرفى اسمه الأولين، صاد، عين، إلا بعد أن سمعتها تذاع فى الراديو، القصيدة تقول: عاش فى الماضى شخصان مختلفان، صاد، عين، سابقا، وصاد، عين، لاحقا، عندما كانا في عمر الثانية تعاركا بالأقدام والأيدى، في الثانية عشرة باللسان والحجارة، فى الثانية والعشرين تبادلا إطلاق الشائعات، فى الثانية والثلاثين تبادلا قناعيهما وظليهما، فى الثانية والأربعين استسلما للحزب، فى الثانية والستين استسلما للدولة والدنانير، فى الثانية والثمانين استسلما للأميبا والبكتريا، في الثانية والمئة توفيا ودفنا في قبرين متلاصقين، بعد قرن التهمت عاصمة ممطرة قبريهما، العاصفة لم تلاحظ أن القبرين لشخصين مختلفين، التراب وحّدهما، والعاصفة الخائبة لم تكتشف من انتصر على الآخر، من تجاوز الآخر، اندمجت فى القصيدة، وكان خيال أمي المتوفاة يشاركني الاستماع، عند كلمة التجاوز، أغلقت أمي الراديو، ودعت لصلاح بالشفاء، ربنا يشفيك يا صلاح يا ابني، ويخرجك من الزنقة اللى انت فيها، وبسملت وحوقلت واختفت.

' كاتب من مصر